في رؤيا الأنبياء والمرسلين عموما ورؤيا محمد خصوصا | وقيل : من رأى كأن الله تعالى غضب عليه ، فإنّه يسقط من مكان رفيع . لقول الله تعالى : (ومن يَحلِلْ عَلَيْهِ غَضبيَ فَقَدْ هَوَى) . ولو رأى كأنه سقط من حائط أو سماء أو جبل ، دل ذلك على غضب الله تعالى عليه . فإن رأى نفسه بين يدي الله عزّ وجلّ ، في موضع يعرفه ، انبسط العدل والخصب في تلك البقعة ، وهلك ظالموها ونصر مظلوموها . فإن رأى كأنه ينظر إلى كرسي الله تبارك وتعالى ، نال نعمة ورحمة . فإن رأى مثالاً أو صورة ، فقيل له إنّه إلهك أو ظن أنّه إلهه سبحانه ، فعبده وسجد له ، فإنّه منهمك في الباطل ، على تقدير أنّه حق ، وهذه رؤيا من يكذب على الله تعالى . فإن رأى كأنّه يسب الله تعالى ، فإنّه كافر لنعمة ربه عزّ وجلّ غير راضٍ بقضائه . الباب الثاني في رؤيا الأنبياء والمرسلين عموماً ورؤيا محمد خصوصاً سمعت أبا بكر أحمد بن الحسيين بن مهران المقري ، قال : اشتريت جارية أحسبها تركية ، ولم تكن تعرف لساني ، ولا أعرف لسانها ، وكان لأصحابي جوار يترجمن عنها ، قال فكانت يوماً من الأيام نائمة ، فانتبهت وهي تبكي وتصيح وتقول : يا مولاي علمني فاتحة الكتاب ، فقلت في نفسي انظر إلى خبثها ، تعرف لساني ولا تكلمني به ، فاجتمع جواري أصحابي وقلن لها : لم تكوني تعرفين لسانه والساعة كيف تكلّمينه؟ فقالت الجارية : إني رأيت في منامي رجلاً غضبان وخلفه قوم كثير ، وهو يمشي ، فقلت من هذا؟ فقالوا موسى عليه السلام . ثم رأيت رجلاً أحسن منه ومعه قوم وهو يمشي ، فقلت من هذا؟ فقالوا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقلت أنا أذهب مع هذا فجاء إلى باب كبير وهو باب الجنة ، فدق ففتح له ولمن معه ودخلوا ، وبقيت أنا وامرأتان ، فدققنا الباب ففتح ، وقيل من يحسن أن يقرأ فاتحة الكتاب يؤذن له ، فقرأتا فأذن لهما ، وبقيت أنا . فعلمني فاتحة الكتاب ، قال فعلمتها مع مشقة كبيرة ، فلما حفظتها سقطت ميتة . قال الأستاذ أبو سعد رحمه اللهّ : رؤيا الأنبياء صلوِات الله عليهم ، أحد شيئين ، إما بشارة وإما إنذار . ثم هي ضربان : أحدهما أن يرى نبياً على حالته وهيئته ، فذلك دليل على صلاح صاحب الرؤيا وعزه وكمال جاهه وظفره بمن عاداه ، والثاني يراه متغير الحال عابس الوجه ، فذلك يدل على سوء حاله وشدة مصيبته ، ثم يفرج الله عنه أخيراً ، فإن رأى كأنّه قتل نبياً ، دل على أنّه يخون في الأمانة وينقض العهد لقوله تعالى : (فبمَا نقضِهِم ميثَاقَهًمْ وكُفْرِهِمْ بِآياتِ الله وَقَتْلِهِم الأنْبياءَ بِغَيْرِ حَق) . هذا على الجملة ، وأما على التفصيل : فإن رأى آدم عليه السلام على هيئته نال ولاية عظيمة إن كان أهلاً لها . لقوله تعالى : (إنِّي جَاعِلٌ في الأرض خليفةً) فإن رأى أنّه كلمه ، نال علماً لقوله تعالى : (وَعًلّمَ آدم الأسماء كُلّها) . وقيل إن من رأى آدم ، اْغترّ بقول بعض أعدائه ، ثم فرج عنه بعد مدة . فإن رؤي متغير اللون والحال ، دل ذلك على انتقال من مكان إلى مكان ، ثم على العودة إلى المكان الأول أخيراً . ومن رأى شيئاً عليه السلام نال أموالاً وأولاداً وعيشة راضية . ومن رأى إدريس ، أكرم بالورع وختم له بخير . ومن رأى نوحاً عليه السلام ، طال عمره وكثر بلاؤه من أعدائه ، ثم رزق الظفر بهم . وأكثر شكِره الله تعالى لقوله تعالى : (إنّهً كانَ عَبْداً شَكُوراً) وتزوج امرأة دنية فولدت له أولاداً . ومن رأى هوداً عليه السلام ، تسفه عليه أعداؤه ، وتسلطوا على ظلمه ، ثم رزق الظفر بهم . وكذلك من رأى صالحاً عليه السلام . ومن رأى إبراهيم عليه السلام ، رزق الحج إن شاء اللهّ ، وقيل أنه يصيبه أذى شديد من سلطان ظالم ثم ينصره الله عليه وعلى أعدائه ، ويكثر الله له النعمة ويرزقه زوجة صالحة . وقيل أنّ رؤيا إبراهيم عليه السلام عقوق الأب . وحكي أنّ سماك بن حرب كف ، فرأى في منامه كأن إبراهيم عليه السلام مسح على عينيه ، وقال إئت الفرات فاغتمس فيه ، يرد الله عليك بصرك ، فلما انتبه فعل ذلك ، فأبصر . ومن رأى إسحاق عليه السلام ، أصابه شدة في بعض الكبراء أو الأقرباء ، ثم يفرج الله عنه ويرزق عزاً وشرفاً وبشراً وبشارة ، ويكثر الملوك والرؤساء والصالحون من نسله ، هذا إذا رآه على جماله وكمال حاله ، فإن رآه متغير الحال ذهب بصره نعوذ بالله .
|
| |